أخبار

أحمي نفسك من اضطرابات الآخرين

أحمي نفسك من اضطرابات الآخرين

كتبت/ آية نورالدين يوسف

حماية صحتنا النفسية هي عملية مستمرة تتطلب الوعي والجهد، خاصة عندما تكون بيئتنا المحيطة تحتوي على أفراد يعانون من اضطرابات نفسية.

وهذا يتطلب منا أن نكون متعاطفين ومسؤولين في آن واحد، وأن نضع الرحمة بالنفس في صميم المعادلة.

وما بين تعاطفنا مع أصحاب الاضطرابات وحق أنفسنا علينا تلد المتاهة مما يستدعينا تبني استراتيجيات معمقة لبناء “درعك النفسي” والحفاظ على الاستقرار الداخلي، وتتمثل هذه الاستراتيجيات فيما يلي:

1. الإدارة المتقدمة للحدود (Advanced Boundary Management)

الحدود هي ليست فقط “ما لا أقبله”، بل هي أيضًا “ما ألتزم به لنفسي” ويخجل الكثيرين من وضع تلك الحدود مع أصحاب الاضطرابات والتي قد أري انه يلزم وضعها مع المطربين نفسيا وغير المطربين وذلك حفاظا علي كامل طاقتنا التي تحتاجها جولات الحياة

وتنقسم الحدود إلي :

 * الحدود الزمنية والمكانية (Time and Space Boundaries):

   * “وقت التفريغ” (Debriefing Time): بعد أي تفاعل صعب أو مستنزف، امنح نفسك 10-15 دقيقة للانفصال الجسدي والذهني. اخرج للمشي، أو اجلس في غرفة هادئة، أو استمع إلى موسيقى. هذه الخطوة ضرورية لمنع “تراكم” الضغوط.

   * تحديد مواعيد الدعم: إذا كنت راعياً، حدد أوقاتاً معينة لتقديم الدعم بدلاً من أن تكون “متاحاً 24/7”. هذا يمنع الشعور بأنك مطفأ على الدوام.

 * الحدود العاطفية (Emotional Boundaries):

   * تجنب الانخراط في “دراما” الآخر: لا تشارك في الشكاوى المستمرة التي لا تحمل هدفاً للحل. يمكنك الرد بلطف: “أنا هنا لأستمع وأدعمك، ولكنني لا أستطيع أن أحل هذا المشكل نيابة عنك.”

   * استخدام لغة الفصل: تدرب على استخدام عبارات مثل: “أنا أتعاطف مع شعورك بالغضب، لكني لا أتحمل مسؤولية هذا الغضب.” هذا يؤكد ملكية الشخص لمشاعره.

2. الفصل المعرفي وتجنب اللوم الذاتي

من أكثر الأخطار التي تهدد الحماية النفسية هي تحمل مسؤولية اضطراب الآخر أو أخذ سلوكه على محمل شخصي.

 * قاعدة الـ 3C’s: هذه القاعدة الذهبية تساعد في الفصل المعرفي:

   * Causation (السببية): أنا لم أتسبب في مرضهم (I didn’t cause it).

   * Cure (العلاج): لا يمكنني علاجه (I can’t cure it).

   * Control (التحكم): لا يمكنني التحكم في سلوكهم (I can’t control it).

 * تجنب “التفكير السحري”: لا تقع في فخ الاعتقاد بأنك إذا فعلت الشيء “المثالي” فإن أعراضهم ستختفي. هذا يضع عبئاً لا يمكن تحمله على عاتقك. تقبل أن الاضطراب مرض يتطلب علاجاً احترافياً.

3. تقنيات التأريض والاستقرار النفسي (Grounding Techniques)

عندما تشعر أنك تغرق في قلق أو ضيق الشخص الآخر، تحتاج إلى استعادة اتصالك بالواقع اللحظي.

 * قاعدة الـ 5-4-3-2-1: هذه تقنية تأريض فعالة:

   * 5: سمّ خمسة أشياء تراها.

   * 4: سمّ أربعة أشياء تشعر بلمسها (مثل الكرسي، أو القماش).

   * 3: سمّ ثلاثة أشياء تسمعها.

   * 2: سمّ شيئين تشم رائحتهما.

   * 1: سمّ شيئاً واحداً تتذوقه.

   * هذه الممارسة تعيد تركيزك من الدوامة العاطفية إلى اللحظة الحالية الملموسة.

 * التنفس الواعي: مارس تقنية التنفس الصندوقي (Box Breathing): شهيق (4 ثوان)، حبس (4 ثوان)، زفير (4 ثوان)، انتظار (4 ثوان)، وكرر. هذه التقنية تعمل على تهدئة الجهاز العصبي بسرعة.

4. استثمار مستدام في الرعاية الذاتية

يجب أن تتحول الرعاية الذاتية من نشاط ترفيهي إلى التزام يومي.

 * توازن الأدوار: إذا كنت راعياً أو داعماً، تأكد أن حياتك لا تقتصر على هذا الدور. حافظ على أدوارك الأخرى كصديق، موظف، محب لهواية، أو شريك.

 * التغذية العاطفية: لا تعتمد فقط على الدعم الخارجي. حدد مصادر تغذية عاطفية داخلية: القراءة، ممارسة الفن، الكتابة، أو التأمل الروحي. أي نشاط يجعلك تشعر بالرضا والاستقلالية العاطفية.

 * المراجعة المنتظمة: قم بإجراء “فحص نفسي” أسبوعي: كيف كانت طاقتي هذا الأسبوع؟ ما الذي استنزفني؟ ما الذي يحتاج للتعديل في حدودي؟

5. البحث عن الدعم المتخصص لنفسك

السعي للاستشارة النفسية لا يقتصر على الشخص المضطرب؛ بل يشمل الداعمين أيضًا.

 * المعالج كدرع واقٍ: المعالج النفسي يمكن أن يقدم لك مساحة آمنة لتفريغ مشاعر الإحباط، الغضب، أو الحزن التي لا يمكنك التعبير عنها أمام الشخص المضطرب. كما أنه يساعدك على تطوير مهارات التأقلم للتعامل مع المواقف الصعبة بشكل فعال دون الانهيار.

 * التعلم من مجموعات الدعم: مجموعات دعم الأقارب أو الداعمين (مثل مجموعات دعم أسر مرضى الاكتئاب أو الإدمان) توفر لك “الشرعية العاطفية” (Validation) لمعاناتك، بالإضافة إلى الأدوات التي أثبتت نجاحها لدى الآخرين.

أنت تستحق السلام النفسي

تذكر أن حماية نفسك ليست أنانية، بل هي ضرورة إنسانية. أنت لا تستطيع أن تمنح من كأس فارغ. عندما تعتني بنفسك جيداً، تصبح أكثر استقراراً، وأكثر قدرة على التعاطف بشكل صحي، وأقل عرضة لامتصاص السلبية أو الانجراف في الاضطراب. كن قوياً ولطيفاً مع نفسك في آن واحد.

اذا استسلمت لفني طاقتك مع أصحاب الاضطرابات أعدك انه سوف يزداد عددهم رقمًا جديدًا وصاحب هذا الرقم أنت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى